الأربعاء، 26 ديسمبر 2012

أنتخبتُ حمدين ولم أندم .. ولكن ...


كنتُ  قد توقفت لشهورٍ طويلة عن كتابة أي مقال يخص (حمدين صباحي) حتى لا أُتهم بأنني لا أجيد إلا الكتابة عنه أو أنني مهووس من المهووسين به ، وعندما علم بعض أصدقائي أنني سأشرع في كتابة مقال عن (حمدين صباحي) حاولوا منعي وذلك لأنهم يخشون بأن أنتقده نقداً لاذعاً نظراً لعلمهم بأنني أحمل بعض التحفظات عليه مؤخراً .. تحفظات لكم وددت نقلها إليه شخصياً ولم أستطع ..

قد يكون السبب في ظنهم هذا يرجع إلى عدم إدراكهم إنني مهما حدث لن أنقلب مائة وثمانون درجة وأبدأ كغيري في إطلاق قذائف النقد اللاذع له والتبرؤ من تأييدي له والتغني بأوبريت : " أنتخبت حمدين صباحي وندمت " الذي يتغنى به العديد ممن أيدوه لمجرد إختلافهم معه في بعض التصرفات السياسية ، مع العلم أن تأييدي له ليس لشخصه ولكن لأنه الوحيد الذي يُماثلني في الفكر والوحيد الذي أُصدق أنه يسعى لتحقيق ما أحلم به .

المُقربون مني يعلمون أنني لم أتبع أي شخصية سياسية طوال حياتي ، فكنتُ دوماً أبتعد عن الأشخاص وأسير نحو الأفكار ، واقتناعي ب(حمدين) كمرشح للرئاسة جاء نتيجة لبحثٍ مضنٍ في تاريخه أثبت لي أنه يملك ما يفتقده المرشحون السابقون .. الصدق ..

لذلك فأنا من أخطر أنواع المؤيدين بل يمكن القول بأنني مُعَد للانفجار في من أؤيده في أي لحظة إذا ما ضل الطريق ، ولكن (حمدين) لم يضل الطريق ولم يرتكب خطايا تستحق انشقاقي عنه ولكنه أيضاً لم يعد كما كان منذ عام مضى .



ما سأقوله في هذا المقال هو بعض ما أشعر به .. قد أكون مُخطأ أو مُبالغاً في نظر البعض وقد أكون محقاً في نظر البعض الآخر .. فأرجوكم لا تقاطعونني ولا تجتزئوا ما سأقوله لإتهامي بالافتراء عليه أو إتهامه بشيء لم أقصده ، فأنا أعلم أن هناك من سيقول لي : " هذا ليس وقت إنتقاده " .. ومن سيقول : " إنتقاداتك سطحية " كعادة بعض من لم يتحلوا بعد بتحرير العقول ولكنك طالما قرأت هذا المقال فمعنى هذا أنه قد كُتب وتم نشره فلا فائدة من النُصح الذي يصاحبه دفن الرأس في الرمال .
  .

أشعر أن (حمدين) قد أبتعد عن الناس ..

فما كان يميزه عن غيره من المرشحين الرئاسيين هو أنه أقرب ما يكون للجماهير عن باقي المرشحين ولكن هذا قد تغيّر في وجهة نظري ..

لقد تقابلت معه ثلاث مرات آخرهم – وأشعر أنها ربما ستكون الأخيرة - في موطنه (بلطيم) ، كنت فيها مرافقاً لحملته الرئاسية بالإسكندرية التي أفتخر أنني انتميت لها يوماً ، ولا أستطيع أن أصف لكم مدى إحساسي بطيبته ومودته معي ومع زملائي ، ولكني الآن بدأت أشعر أنه قد تحول حرفياً إلى من نُسميهم (النخبة السياسية) التي تتميز بلافتة (ممنوع الاقتراب) والتي كان ينتمي إليها بشكل شكلي فقط وكان في كل شارع وكل مدينة يقف وسط من حوله ولربما لا تستطيع تمييزه عنهم ..

أعلم أن وضعه الآن قد أختلف لا لشيء إلا لكون جماعة ما قد نَذَرت حياتها ومجهوداتها لتشويهه عندما أدركت تَضخّم شعبيته وسط شعب أرادت ألا يجد أفراده سوى رجالها بديلاً ، ولكن ليس كل من أيدوه سيتقبّلوا ابتعاده عنهم وعن الشارع الذي أعطاه ثقته يوماً ما .

أُنكر عليه بعض الخطوات التي قد يظن أن لها أهمية على المستوى السياسي ولكن هذه الأهمية لا تصل إلى المواطن العادي مما يجعل جماعة ما تستخدم هذه الخطوات والتصرفات لإبعاده أكثر فأكثر عن مُخيلة المواطن الذي يراه نصيره والوحيد الذي ناضل ويُناضل وسيناضل من أجله ، والتوضيحات لهذه المواقف تأتي دوماً متأخرة من قِبله وأحياناً لا تأتي ، فالتأخر في الرد على الاتهامات قد يوحي للبعض أنها حقيقية ..

ألا يعلم (حمدين) أنه في نصف الساعة تقوم لجان أحد الجماعات بمجهود خرافي لإيصال الزيف وتحويله إلى حقيقة ؟ ألا يعلم أن التباطؤ يُفقد المصداقية تدريجياً ؟ .. فليس كل من أيدوه يعرفون طريقة تفكيره مثلما أعرفها .. وإن كنت أستنبط أحياناً أسباب أي تصرف من رصيد معرفتي بتاريخه .

أعلم أنه ربما قد لا يقرأ هذا المقال ولكن إن قرأه فأرجو أن يتقبل مني هذا النقد الذي ليس إلا عتاب من شاب في عمر ولده يرى أنه ينتمي إلى حلمه وفكره الثوري .. شاب يراه ضمير المعارضة الذي تحتاجه مصر دوماً ولا أجد غيره من يستحق هذه المكانة ..
عد إلينا كما عهدناك ليعود إليك من ظنوا أنك قد أبتعدت عنهم .

محمد العليمي

 

الأحد، 23 ديسمبر 2012

المسيخ السياسي



لكم شغفتُ في صغري بقراءة تلك الكتب زهيدة الثمن والتي كانت تتحدث عن (المسيخ الدجال) وعلامات خروجه وصفاته وما سيقوم به من أفعال تُخلخل إيمان من سيخرج عليهم ، وإلى يوم الجمعة الماضية كنت أظن أن هناك مسيخاً دجالاً واحداً سيخرج علينا في آخر الزمان ولم أكن أعلم أن له ذرية ستُمهد له الطريق ولتُرينا نموذجاً مصغراً مما سيفعله هو .
فها هو واحداً منهم يجلس بمكتبه بالمقطم والآخر – وهو من سأسلط عليه الضوء - يَجرّ ورائه أتباعاً لا يُصدقون أنه كاذب ويُدافعون عن ما يُثار حول كذبه فيما يتعلق بجنسية والدته بقولهم : " يبدو أنك لم تقرأ حيثيات الحكم جيداً "  .. مع رسم ابتسامة الواثقين من أنفسهم ليجعلوا الشك يُغامرك في مدى صحة الحقائق التي وصلت إليك ، وجانب منهم يُصر على أن اللجنة العليا للانتخابات قد رسمت له تلك العقبة لإخراجه من السباق الرئاسي ، وحتى الآن لم أجد (شيخهم) الذي يتبعونه قد أثبت صحة موقفه أو كذب الإدعاءات بشكل صريح وواضح وكل ما سمعته منه عبارة عن سيمفونية (لفّ ودوران) في لقاءاته المُتعددة .
هل تعلم أن هناك أوجه للتشابه ما بين (المسيخ الدجال) و(مسيخنا السياسي) ؟
فمسيخنا السياسي يقود أتباعه – من مقعده فقط – إلى غزوات عدة .. بدءاً من غزوة الاعتصام أمام اللجنة العليا للانتخابات ووزارة الدفاع وآخرهم الاعتصام أمام مدينة الإنتاج الإعلامي لتطهير الإعلام مما يوحي لنا بأن ظهوره على قنوات الإعلام الفاسد لم يكن سوى محاولة منه لتطهير كل قناة لمدة ساعة ونصف – مدة كل لقاء – بغض النظر عن شكل هذا (التطهير) الذي ظل يمارسه طوال الساعة والنصف ، وإنتهاءاً إلى دعوته إلى الزحف إلى مسجد (القائد إبراهيم) لحماية بيوت الله من الليبراليين والعلمانيين دون أن يُكلف نفسه عناء معرفة ملابسات وحقيقة ما حدث في الجمعة قبل الأخيرة وكأنه هو المُكلف من الله بحماية الإسلام وكل ما يتعلق به  .
وعلى حد علمي فالمفترض - والمتوقع - ممن يدعو إلى التظاهر والاعتصام فعليه أن يشارك فيهما ولكن يبدو أن (مسيخنا السياسي) يؤمن بالاعتصام والتظاهر ال(وايرليس Wireless) مما يفسر حاجته إلى الشاحن يوم جمعة الزحف إلى مسجد (القائد إبراهيم) ، أما أتباعه فسائرون سائرون .. مُقادون مٌقادون لا لسبب معلوم ولا لغرضٍ مفهوم .. مُغيبون مغيبون مُغيبون .
ومثلما يُظهر المسيخ الدجال معجزاته كل حين لكي يَسلُب ألباب أتباعه نجد (مسيخنا السياسي) لا يتوقف عن الخروج على أتباعه بتصريح بأن هناك (مفاجأة) سيفجرها ، وينتشي أتباعه ويُخرجون ألسنتهم لخصومهم وينتظرون ما سيفجره ولكن غالباً ما تكون المفاجأة مجرد فقاعة صابون ويكون الشيء الوحيد الذي فجّره هو (مرارة) الشعب .. (مشّيها) مرارة ، وأحياناً يختلق ضجة ما ليُبهر بها أتباعه كتلك المناظرة التي دعا إليها (شيخهم) ممثلي التيار الليبرالي وخصَ بها تحديداً مرشح رئاسي سابق ثم بدأت المناظرة وأثبت الشيخ لأتباعه كم هو جدير بقيادتهم و ...
مهلاً مهلاً .. لم يحدث ما ذكرته في آخر الفقرة ؟ المرشح الرئاسي السابق قَبَل المناظرة و(شيخهم) تَهرّب ؟؟ .. وكان رد فعل أتباعه كالمعتاد : " معك يا شيخنا .. وإلى الأمام ".
والعامل المشترك بين (المسيخ الدجال) و(المسيخ السياسي) - محل حديثي - هو أن كليهما يفَتنون أتباعهما بأسم الإيمان ، فالأول يعدهم بأنه سيدخلهم جنته والأخير يعدهم بتطبيق شرع الله بأي شكل ونصرة الدين بأي وسيلة ، مما يجعلني أسأل أتباع (الشيخ) سؤالاً لم يجد عقلي إجابةً له : ألم تشعر ولو لمرة واحدة أنك قد تكون فيما تُدعى إليه لا تُرضي ربك ولربما تكون ترضي فقط من أعمته شهوة قيادة قطيع من الأنصار ؟
في حقيقة الأمر عندما رأيت حالكم أدركت كم كنت غبياً حينما كنت أجد صعوبة في الاقتناع بأن هناك أناس سيتبعون يوماً ما مخلوقاً مُشوَهاً كاذباً قبل يوم القيامة ، والخوف كل الخوف أنه عندما يخرج علينا (مسيخ) آخر الزمان يجد أن مهمته في فتنة الناس لا قيمة لها وأن دوره الذي خُلق له قد سبقه إليه غيره نظراً لأن أغلبنا قد تحول إلى قطيع بلا عقل يسير وراء من يراه يحمل له مفاتيح الجنة من الدنيا والآخرة .
أعلم أن الشتائم ستنهال على رأسي ممن خَصتهم بالذكر في المقال كما عهدتهم ولكن الله وحده يعلم أنني أشفق عليهم من الانسياق الأعمى وراء من لم ينفعهم ولن ينفعهم ..
وعموماً .. أنا في انتظار سبابكم إن أردتم سبّي .

محمد العليمي

 

الثلاثاء، 18 ديسمبر 2012

القتلة وشركاءهم .. (عن ذكري أحداث مجلس الوزراء)



هل تتذكرون ما حدث منذ عام  ؟

هل تذكرون عندما خرج علينا البعض وقالوا عن فتاة من أطهر بنات مصر :

" أيه اللي وداها هناك ؟ وأزاي واحدة تلبس عباية خفيفة في الجو ده ؟ "

وخرج البعض الآخر وقال :

"الفيديوهات دي فوتوشوب "

وقال المجلس العسكري :

" الفيديو متركب يا جماعة بلاش إستعباط "

وقال رئيس وزراء العسكر :

" كفى كذباً .. لم يحدث أي اعتداء على المعتصمين "

وظللنا نوضح الحقائق وندافع ..

ندافع عن البلطجية في نظرهم .. الثوار في نظرنا ..

نُثبت أن الشيخ (عماد عفت) لم يكن بلطجياً ..

نُثبت أن (علاء عبد الهادي) لم يكن مأجوراً ..

نُثبت أن من سُحلت وتمت تعريتها لم تكن بغيّ  ..

نُثبت أن من اعتدى على المعتصمين كانوا جنوداً في الجيش وليسوا طرفاً ثالثاً ..

نُثبت أن فض الاعتصام كان مرتباً له ولم يكن من قبيل الصدفة ..

نُثبت أن المجلس العسكري والإخوان المسلمون هما الثورة المضادة والطرف الثالث .

مر عام ولم يتغير شيء .. فيضان دماء شباب مصر يملأ شوارعها ..

الشاهد على القتل يوم أمس هو قاتل اليوم ..

كان يتوضأ منذ عام بالماء وأصبح اليوم يتوضأ بالدماء ..

تسلقوا أجساد قتلانا ليضعوا فوق جبل الموتى عرشهم ليحكموا ..

اليوم أراهم عراة من رداء الثورة الذي حاولوا كثيراً لفّ أجسادهم به .. أجسادهم التي تساقطت جلود الصدق منها بعدما اختاروا الكذب والغش كدواء لهم فتحول إلى داء أصابهم جميعاً ، ولكنهم لم يرغبوا في الشفاء منه بل تباهوا بالداء وتسوّلوا به لنيل تعاطف الفقراء والجهلاء من الشعب لإدخالهم جنتهم التي ما هي إلا سقر .

الدماء ستنتقم ممن أسالها وممن شارك في إسالتها وكرّم من أراقوها ..

الدماء ستكتب فصولاً في تاريخكم وتاريخ من تشاركتم معهم في الجريمة ..

الدماء لن تنسى من سالت من أجسادهم ..

الدماء ستبقى في أياديكم مهما حاولتم التبرؤ منها .

محمد العليمي





الأحد، 11 نوفمبر 2012

الريحة .. أزمة ميكروباص (مقال أو قصة قصيرة مش عارف نوعه بصراحة) - مستوحى من أحداث حقيقية



كانت كمثيلتها من عربات نقل الركاب المسماة بال(ميكروباص) 14 راكب .. رابضة في )محطة مصر( وسط الزحام وتكدس البشر ..
كانت تنتظر ركابها أن يملئوها حتى يُدير السائق محركها ويشق بها طريقه بين السيارات وصولاً إلى نهاية الخط .
وما إن صعد آخر فرد إليها حتى أتجه سائقها - الذي كان يُدخن سيجارته التي أخذها عنوة من أحد زملائه السائقين - إلى الباب المخصص له ..
أغلق آخر راكب باب الميكروباص في نفس لحظة غلق السائق لبابه وإدارته لمحرك السيارة ..
وفي تلك اللحظة ظهرت ..
كان ظهورها مُريباً وكأنه مرتبط بغلق الأبواب ..
أنها تلك الرائحة ..
رائحة غريبة تكاد ملامح وجه الركاب أن تُقسم أنهم لم يشموها من قبل ، ولو كان الأمر بيدهم لقاموا بإستدعاء أشهر خبراء الروائح من (باريس) لمعرفة نوعها .
في البداية بدأ كل شخص يظن أن تلك الرائحة مؤقتة ولعلها نابعة من أحد الأشخاص الذي قرر أن يزيح الهم من معدته بعد أكلة دسمة من الأكلات الشهيرة في ميدان (محطة مصر) ..
وكالعادة في تلك المواقف بدأ كل شخص منهم يُبعد عن نفسه التهمة بإظهار الإشمئزاز مما يوحي بأنه ليس مصدر تلك الرائحة .
مرت خمس دقائق .. ومازالت الرائحة كما هي ..
فتح الركاب نوافذ الميكروباص علّ الهواء يخففها إن لم ينهي وجودها .
لا فائدة ..
هذا ما لاحظه الركاب وبدا عليهم أنهم سيبدءون في الخطوة الثانية من ما هو متبع في مثل هذه المواقف ..
التأقلم ..
نعم .. التأقلم .. وليست الثورة أو التمرد إن ظننت ذلك ، ولكن كان كل فرد منهم يأمل أن يخرج أحد الركاب عن صمته ويزيل عن الباقي حرج الثورة .
مرت 10 دقائق ..
ضاق هذا الشاب الجالس في الصف الخلفي للسائق من تلك الرائحة التي تفوّقت على أقوى غازات العالم السامة إنتاجاً في الإتحاد السوفيتي السابق ..
قرر أن يخرج عن صمته ..
- " يا سطاااااا .. أنتا مش واخد بالك من الريحة ولا أيه ؟؟؟؟؟ "
أجابه السائق ببرود شديد :
- " ريحة أيه يا باشمهندز ؟ "
- " من ساعة ما طلعت العربية وظهرت ريحة مُقرفة "
- " عدم الا مؤاخذة كل واحد يشوف نفسه ويشوف اللي جنبه .. العربية نضيفة والعيب مش منها ولا مني .. أنا لسه مستلمها من حوالي 120 يوم ونضفت أكتر من 70 في ال 100 منها .. فكون أن أنتم شامين ريحة وحشة فمش ذنبي .."
- " طب ممكن تقف على جنب دقايق بس ونشوف العيب منين ؟ علشان بجد الريحة لا تُطاق .. أنتا مش شايف الناس كلها في العربية كلها حاطة مناديل على وشها أزاي ؟ "
أتى صوت من خلف الشاب :
- " يا أخي أدي السواق فرصة بقى وسيبه يوصلّنا .. كلها أقل من ساعة ونوصل .. مش تحمد ربنا أساساً انه رضا يوصلنا في عز الزحمة اللي كنا فيها وقلة المواصلات ؟"
نظر الشاب خلفه وقال :
- " وهي الساعة شوية ؟ .. انتو بتضحكو على نفسكم ؟ .. ما كلكو أهو مقروفين من الريحة "
قال رجل آخر للشاب :
- " يعني اللي خلاك تصبر ربع ساعة مش قادر تصبر ساعة الا ربع كمان ؟ "
قال السائق :
- " من الآخر اللي متضايق من الريحة ينزل .. أنا نضفت العربية وعملت اللي عليا .. بدل عليا الحرام من ديني لنزلكم كلكم في الحتة المقطوعة دي "
قالت سيدة كبيرة في السن :
- " لا يا اسطا كمل طريقك واحنا هنستحمل الريحة خلاص .. وانتا يا بني اسكت بقى وخلي الراجل يشوف طريقه خلينا نوصل بقى "
ثار الشاب :
- " يا جدعان انتو هتجننوني ؟؟؟ ..مش كنتو من ربع ساعة هتتخنقو وتموتو من الريحة وفتحتو الشبابيك وكتمتو نفسكم بالمناديل ؟؟ ..انتو محسسينّي إننا راكبين ببلاش ؟ هو مش أخد أجرة مننا ؟ "
وفي تلك اللحظة توقفت العربة فجأة وأرتطم كل شخص بالمقعد المواجه له وألتفت السائق للركاب وقال بلهجة تهديدية :
- " من الآخر الواد ده لو ما نزلش من العربية حالاً أنا مش مكمل طريقي .. أختارو ما بين انه يمشي وبين إني أكمل طريقي .. "
نظر الجميع إلى الشاب الذي نظر لهم وللسائق بنظرة تحدي وقال :
- " انتو عارفين ده معناه ايه ؟ .. معناه انكم هتفضلو طول السكة تحت رحمة السواق وهيعمل فيكم اللي هو عايزه "
فتح الشاب باب الميكروباص وقال للسائق قبل أن تلمس قدمه الأسفلت :
- " انا لسه عند رأييّ .. أنتا السبب في الريحة دي وانتا المسئول عنها وعن معرفة مصدرها "
قالها وأغلق الباب بغضب فقال السائق :
- " طيب يا حيلة ماما .. "
أزال أحد الركاب المنديل الورقي من على فمه وقال للسائق بعد ما تحرك الميكروباص :
- " الكلاب تعوي والقافلة تسير .. لا تجعل أحد الأراء الحاقدة التي لا تريد لك أن تصل إلى نهاية الخط أن توقفك .. أعانك الله علينا "
كان الشاب ينظر إلى الميكروباص وهو يبتعد في حزن لا ينبع من مغادرته له لكنه حزن على من خذلوه ممن تأذوا من الرائحة ..
وداخل الميكروباص .. كان الركاب في حالتهم الأولى من التقزز والإشمئزاز وحاول أغلبهم أن يغالبون رغبتهم في التقيؤ لأن السائق قد حذرهم أن من سيتقيأ فعليه أن ينظف ما خلّفهُ .
كان الوقت الذي تستغرقه المسافة من محطة مصر إلى نهاية الخط هي ساعة في أسوأ الأحوال .. ولكن السائق قد توقف أكثر من خمس مرات أثناء طريقه لتمر ساعة ونصف دون أن يصل ..
مرة لملئ العربة للبنزين .. مرة ليبتاع كوب شاي من ذلك الرجل الذي يجلس على جانب الطريق والذي سأل السائق عن ما يمنعه من النزول وطلب الشاي بنفسه فقال له السائق :
- " انزلّك ليه يا عم ؟ .. ما تيجي أنتا .. أنا ما صدقت أقعد على الكرسي بعد ساعتين واقف مستني دوري عشان أحمّل "
وبعد مرور ساعتان إلا ربع كان الميكروباص قد وصل إلى محطته الأخيرة ..
وهبط الركاب والإعياء ظاهر على وجوههم ..
ولم يهتم بهم السائق وهبط من الميكروباص بعدما تأكد من مغادرة آخر شخص .
أتجه السائق إلى مقهى السائقين وما إن أجتاز مدخلها حتى ظهرت ملامح التقزز والإشمئزاز على وجوه الجالسين ..
جلس السائق بجوار أحد الجالسين فسأله الأخير :
- " يا عم مش ناوي تستحمى بقى ؟ "
أجابه السائق ببرود :
- " والنعمة  دي مش ريحتي .. دي ريحة أخر ركاب وصّلتهم "
قال له السائق الآخر وهو يعطيه ليّ الشيشة :
- " الكلام ده تقوله لحد غيري .. انا أعرفك من 20 سنة وريحتك هي هي ما اتغيرتش "


محمد العليمي