الأحد، 15 يناير 2017

في ميدانٍ آخر ..

إنه يوم مقيت آخر من تلك الأيام العفنة التي تمر بلا توقف والتي أصبحت أيام متشابهات ..
أنتظر أن يأتي مشتري آخر لأسمعه نفس الأغنية الدعائية حتى يقتنع ويشتري تلك المنتجات متوسطة الجودة باهظة الثمن .
موقعي .. مكان ما في منطقة سيدي جابر بالقرب من محطة السكة الحديد .. 
لا تنتهي الوجوه التي أراها في كل لحظة أثناء وقوفي أمام محل عملي لدرجة جعلتني أكاد أسعل وجوهاً وملامح إن أصابتني نزلة برد .
كنت أتساءل دوماً أيوجد في العقل جزء مسئول عن جعل أنظارنا تقع على شيء أو شخص معين في توقيت محدد أم هي تدابير القدر التي تحتم علينا رؤية من قُدّر لنا رؤيته  ..
لذلك فلسبب غير معلوم ألتفتُ يميناً .. ولنفس السبب - غير المعلوم أيضا - وقعَت عيني عليه وهو يتأهب للمرور من أمامي كغيره من السائرين .
نفس الهيئة التي رأيته عليها مراراً في الصور التي كانت تغزو صفحات الفيسبوك في لحظات الجذر الثوري قبل أن يتم تجفيف الثورة وردمها .. فقط كان ينقصه لوحة تحمل الرسائل الثورية المعتادة لصوره لتكتمل هيئته الراسخة في ذهني .
لم تطول حالة (هل أوقفه لألقي عليه السلام أم لا ؟) التي تنتابني كلما رأيت من أعرفه من العابرين أمامي يومياً .. وسرعان ما أوقفته ..
" أزايّ حضرتك عامل أيه ؟ "
كان لا يعرفني بالقطع ولكن الترحاب الذي ظهر على وجه كان عكس ذلك ..
" الحمد لله يا إبني أنا بخير "
أدركت في تلك اللحظة غرابة الموقف فأخبرته - في محاولة مني لحفظ ماء الوجه - بمدى سعادتي لرؤيته فوجدته يبتسم ويحتضنني .
سألته عن سبب تواجده في الإسكندرية  ..
" عندي إبن في سنك في العناية المركزة من إمبارح وسهران جنبه طول الليل "
لم أجد ما أقوله سوى أن أخبره بتمنياتي له بالشفاء ثم ساد الصمت للحظات ولم أجد بد من أن أسأله عن رأيه في الوضع الحالي  ..
" أصبروا يا ولادي .. أصبروا " 
لم أفهم ما يقصده بالصبر .. أصبراً لعل الخير قادم ؟ أم صبراً على الظلم لأنه قارب أن ينجلي ؟
" وأخرة الصبر أيه ؟ إيه اللي يخلينا نستحمل الظلم والغلاء والقمع ؟ هو أنا ينفع أحاسب على حاجة ما طلبتهاش من الأصل ؟ اللي طلبها هو اللي يحاسب عليها ويصبر ..  "
رأيت الصمت مرسوم على وجهه .. لا أدري أهو صمت اللا تعليق أم صمت اللا حول ولا قوة ؟ أم هو صمت خيبة أمل المؤيد لنظاماً حاكماً خيّب ظن من آمن به ؟ 
طلبت منه أن يجلس معي قليلاً ولكنه تعذّر بحاجته للذهاب لشراء بعض المستلزمات .. فسألته رؤيته ثانيةً في طريق عودته  ..
" ما تقلقش أنا راجع تاني ..  "
وغادر ..
وظللت أتابعه وهو يتلاشى وسط السائرين ..
ظللت سارحاً لمدة لا أتذكرها وعيناي تنتظر عودته حتى فقدت الأمل في أن يعود .
كان مقدراً لي أن أراه خارج ميدان التحرير الذي سكنه طويلاً وتركه منذ فترة ليست بالقليلة لأن كلانا أصبح من قاطني ميدان آخر ..
ميدان بلا مخارج ولا شوارع للخروج منه تم تكديسنا داخله للطواف حوله بلا هدف سوى الرغبة في البقاء على قيد الحياة والبقاء داخل دائرة الستر المادي ..
بلا طموح نطوف .. بلا حقوق نطوف  .. دون اعتراض نطوف ..
أصبحنا جميعاً شركاء في ميدان الحياة المادية مكبلين بقيود اللامبالاة والظروف المعيشية .. نتقابل به أثناء ركضنا وراء الفرص ونخجل من أن تتلاقى أعيننا بعدما كنا نبحث عن بعضنا البعض يوماً ما ..
نعم .. في ذلك اليوم أيقنت أنني لن أرى (أبو الثوار) أو غيره مجدداً في أي ميدان تحرير .. في ذلك اليوم تأكدت من أن ميادين التحرير جميعها قد هُدمت ولم يبقى منها سوى ذكريات وصور كانت تصيبنا بالحنين والحماس وأصبحت الآن تصيبنا بالألم والحسرة .

محمد العليمي
15 يناير 2017




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق