الأحد، 11 نوفمبر 2012

الريحة .. أزمة ميكروباص (مقال أو قصة قصيرة مش عارف نوعه بصراحة) - مستوحى من أحداث حقيقية



كانت كمثيلتها من عربات نقل الركاب المسماة بال(ميكروباص) 14 راكب .. رابضة في )محطة مصر( وسط الزحام وتكدس البشر ..
كانت تنتظر ركابها أن يملئوها حتى يُدير السائق محركها ويشق بها طريقه بين السيارات وصولاً إلى نهاية الخط .
وما إن صعد آخر فرد إليها حتى أتجه سائقها - الذي كان يُدخن سيجارته التي أخذها عنوة من أحد زملائه السائقين - إلى الباب المخصص له ..
أغلق آخر راكب باب الميكروباص في نفس لحظة غلق السائق لبابه وإدارته لمحرك السيارة ..
وفي تلك اللحظة ظهرت ..
كان ظهورها مُريباً وكأنه مرتبط بغلق الأبواب ..
أنها تلك الرائحة ..
رائحة غريبة تكاد ملامح وجه الركاب أن تُقسم أنهم لم يشموها من قبل ، ولو كان الأمر بيدهم لقاموا بإستدعاء أشهر خبراء الروائح من (باريس) لمعرفة نوعها .
في البداية بدأ كل شخص يظن أن تلك الرائحة مؤقتة ولعلها نابعة من أحد الأشخاص الذي قرر أن يزيح الهم من معدته بعد أكلة دسمة من الأكلات الشهيرة في ميدان (محطة مصر) ..
وكالعادة في تلك المواقف بدأ كل شخص منهم يُبعد عن نفسه التهمة بإظهار الإشمئزاز مما يوحي بأنه ليس مصدر تلك الرائحة .
مرت خمس دقائق .. ومازالت الرائحة كما هي ..
فتح الركاب نوافذ الميكروباص علّ الهواء يخففها إن لم ينهي وجودها .
لا فائدة ..
هذا ما لاحظه الركاب وبدا عليهم أنهم سيبدءون في الخطوة الثانية من ما هو متبع في مثل هذه المواقف ..
التأقلم ..
نعم .. التأقلم .. وليست الثورة أو التمرد إن ظننت ذلك ، ولكن كان كل فرد منهم يأمل أن يخرج أحد الركاب عن صمته ويزيل عن الباقي حرج الثورة .
مرت 10 دقائق ..
ضاق هذا الشاب الجالس في الصف الخلفي للسائق من تلك الرائحة التي تفوّقت على أقوى غازات العالم السامة إنتاجاً في الإتحاد السوفيتي السابق ..
قرر أن يخرج عن صمته ..
- " يا سطاااااا .. أنتا مش واخد بالك من الريحة ولا أيه ؟؟؟؟؟ "
أجابه السائق ببرود شديد :
- " ريحة أيه يا باشمهندز ؟ "
- " من ساعة ما طلعت العربية وظهرت ريحة مُقرفة "
- " عدم الا مؤاخذة كل واحد يشوف نفسه ويشوف اللي جنبه .. العربية نضيفة والعيب مش منها ولا مني .. أنا لسه مستلمها من حوالي 120 يوم ونضفت أكتر من 70 في ال 100 منها .. فكون أن أنتم شامين ريحة وحشة فمش ذنبي .."
- " طب ممكن تقف على جنب دقايق بس ونشوف العيب منين ؟ علشان بجد الريحة لا تُطاق .. أنتا مش شايف الناس كلها في العربية كلها حاطة مناديل على وشها أزاي ؟ "
أتى صوت من خلف الشاب :
- " يا أخي أدي السواق فرصة بقى وسيبه يوصلّنا .. كلها أقل من ساعة ونوصل .. مش تحمد ربنا أساساً انه رضا يوصلنا في عز الزحمة اللي كنا فيها وقلة المواصلات ؟"
نظر الشاب خلفه وقال :
- " وهي الساعة شوية ؟ .. انتو بتضحكو على نفسكم ؟ .. ما كلكو أهو مقروفين من الريحة "
قال رجل آخر للشاب :
- " يعني اللي خلاك تصبر ربع ساعة مش قادر تصبر ساعة الا ربع كمان ؟ "
قال السائق :
- " من الآخر اللي متضايق من الريحة ينزل .. أنا نضفت العربية وعملت اللي عليا .. بدل عليا الحرام من ديني لنزلكم كلكم في الحتة المقطوعة دي "
قالت سيدة كبيرة في السن :
- " لا يا اسطا كمل طريقك واحنا هنستحمل الريحة خلاص .. وانتا يا بني اسكت بقى وخلي الراجل يشوف طريقه خلينا نوصل بقى "
ثار الشاب :
- " يا جدعان انتو هتجننوني ؟؟؟ ..مش كنتو من ربع ساعة هتتخنقو وتموتو من الريحة وفتحتو الشبابيك وكتمتو نفسكم بالمناديل ؟؟ ..انتو محسسينّي إننا راكبين ببلاش ؟ هو مش أخد أجرة مننا ؟ "
وفي تلك اللحظة توقفت العربة فجأة وأرتطم كل شخص بالمقعد المواجه له وألتفت السائق للركاب وقال بلهجة تهديدية :
- " من الآخر الواد ده لو ما نزلش من العربية حالاً أنا مش مكمل طريقي .. أختارو ما بين انه يمشي وبين إني أكمل طريقي .. "
نظر الجميع إلى الشاب الذي نظر لهم وللسائق بنظرة تحدي وقال :
- " انتو عارفين ده معناه ايه ؟ .. معناه انكم هتفضلو طول السكة تحت رحمة السواق وهيعمل فيكم اللي هو عايزه "
فتح الشاب باب الميكروباص وقال للسائق قبل أن تلمس قدمه الأسفلت :
- " انا لسه عند رأييّ .. أنتا السبب في الريحة دي وانتا المسئول عنها وعن معرفة مصدرها "
قالها وأغلق الباب بغضب فقال السائق :
- " طيب يا حيلة ماما .. "
أزال أحد الركاب المنديل الورقي من على فمه وقال للسائق بعد ما تحرك الميكروباص :
- " الكلاب تعوي والقافلة تسير .. لا تجعل أحد الأراء الحاقدة التي لا تريد لك أن تصل إلى نهاية الخط أن توقفك .. أعانك الله علينا "
كان الشاب ينظر إلى الميكروباص وهو يبتعد في حزن لا ينبع من مغادرته له لكنه حزن على من خذلوه ممن تأذوا من الرائحة ..
وداخل الميكروباص .. كان الركاب في حالتهم الأولى من التقزز والإشمئزاز وحاول أغلبهم أن يغالبون رغبتهم في التقيؤ لأن السائق قد حذرهم أن من سيتقيأ فعليه أن ينظف ما خلّفهُ .
كان الوقت الذي تستغرقه المسافة من محطة مصر إلى نهاية الخط هي ساعة في أسوأ الأحوال .. ولكن السائق قد توقف أكثر من خمس مرات أثناء طريقه لتمر ساعة ونصف دون أن يصل ..
مرة لملئ العربة للبنزين .. مرة ليبتاع كوب شاي من ذلك الرجل الذي يجلس على جانب الطريق والذي سأل السائق عن ما يمنعه من النزول وطلب الشاي بنفسه فقال له السائق :
- " انزلّك ليه يا عم ؟ .. ما تيجي أنتا .. أنا ما صدقت أقعد على الكرسي بعد ساعتين واقف مستني دوري عشان أحمّل "
وبعد مرور ساعتان إلا ربع كان الميكروباص قد وصل إلى محطته الأخيرة ..
وهبط الركاب والإعياء ظاهر على وجوههم ..
ولم يهتم بهم السائق وهبط من الميكروباص بعدما تأكد من مغادرة آخر شخص .
أتجه السائق إلى مقهى السائقين وما إن أجتاز مدخلها حتى ظهرت ملامح التقزز والإشمئزاز على وجوه الجالسين ..
جلس السائق بجوار أحد الجالسين فسأله الأخير :
- " يا عم مش ناوي تستحمى بقى ؟ "
أجابه السائق ببرود :
- " والنعمة  دي مش ريحتي .. دي ريحة أخر ركاب وصّلتهم "
قال له السائق الآخر وهو يعطيه ليّ الشيشة :
- " الكلام ده تقوله لحد غيري .. انا أعرفك من 20 سنة وريحتك هي هي ما اتغيرتش "


محمد العليمي