الاثنين، 26 يناير 2015

بجوار الحائط ..

صرت أحفظ هذا الرصيف وأحجاره المرصوف بها وحصاه وترابه وأعقاب السجائر والقمامة الملقاة فوقه ، أسير فوقه يومياً في طريقي إلى عملي وصار بالنسبة لي من مفردات روتين حياتي التي بدأت ولن تنتهي على غير هذا الوضع ..
" يا باشا ده تاني دور ليا والله ملحقتش أعمل 40 جنيه على بعض .. "
" هتدفع بـ #$@ أمك ولا أخدها منك ؟ "
الحمد لله أنني أقلعت عن ركوب الميكروباصات ، من يعلم .. ألم يكن من الممكن أن يشتبه في أحد الضباط ويقتادني إلى قسم الشرطة بدون أي مبرر ؟ الآن أكتشف صدق قول الأقدمون بأن (المشي رياضة) وأضيف إلى قولهم أنه أمان أيضاً .

"يسقط كل من خااااااااااااان .. عسكر فلول إخوااااان "
ياللمصيبة .. مظاهرة !!!!
من المؤكد أنه لن تمر دقائق حتى تأتي الشرطة لتفضّها ، من يعلم .. فلربما إن مررت بجوارها لأصبت بطلق ناري أو بحجر أو يُلقى القبض عليّ بالخطأ ، فلأسلك هذا الشارع الجانبي .

" حرام عليكم .. سيبولي الفرش وخدوني أنا "
عم (جلال) بائع الخضار الذي أبتاع منه أحياناً يرمقني بنظرة تَوسُل بأن آتي لأفعل أي شيء لأنقذ أكل عيشه من أفراد البلدية ، آسف يا عم (جلال) ليس بيدي حيلة .
" يلااااا .. أنزل يا بن الو#@ـة أنتا وهو .. عاملين لي فيها أبطال بـ@$ أمكم !! "
اللعنة .. ها أنا أُجبرت على أن أمر من أمام قسم الشرطة الذي أتلافى المرور من أمامه والأكثر من هذا تقف أمامه عربة ترحيلات يهبط منها أفراداً مُكبلين ..
أسمع صوت الصفعات فأشعر بأنني أنا من أتلقاها .. أتحاشى النظر إلى ما يحدث وأدعو قدماي إلى أن تلاحق بعضها أكثر فأكثر .

الحمد لله .. مررت من أمام قسم الشرطة بسلام فلأعد إلى الشارع الذي أعتدت أن أسير به فلابد أن الاحوال به قد هدأت الآن .
"بووووووووووووم"
أرى أشخاص تركض باتجاهي ودخان يعمي الأبصار يلاحقهم فينظر لي أحدهم ويصرخ فيّ : " أجري الداخلية بيضربوا خرطوش "
تسمّرت قدماي أرضاً ولم أستطيع التحرك وأنا أشاهد من يمرون بجواري ، منهم من يقطر دماً من جسده ومنهم من يحمل هو وغيره أجساداً اختفى من وجهها ضوء الحياة ..
تمر جوار أذناي جُمَل من عينة (واقف بتهبب أيه .. أجري) ويصطدم بكتفي أكتافاً وأكتافاً لم تغيّر واجهتي ..
لم يبقى أمام نظري سوا جسدٌ مُلقى على الرصيف لفتاة وخلفها أفراداً من الداخلية يُحطمون حائط الدخان ويركضون نحوي ..
" أنتا بقا الدكر الوحيد اللي فيهم ؟ أيه ؟ نفسك تحصّلها ؟ طب تعالى معانا يا @# أمك "
صرخت كالمجنون :
" والله انا ماليش دعوة بيهم .. أنا بمشي جنب الحيط على طول .. "
لا أدري كيف تَحَمّل جسدي كل هذه اللكمات والصفعات ..
ألقوني فوق الرصيف وأمسك أحدهم بقدمي وسَحبني وراءه مسحولاً ثم تركني بجوار الحائط  وقال :
" بتقول بتمشي جنب الحيط وأنتا نازل لي مظاهرة يا #$% يا بن الـ$%#@ـة ؟ "
ها أنا أرى أحجار الرصيف التي حفظتها عن ظهر قلب بشكل أقرب مما كنت أراها عليه يومياً .. صرت أشعر بها وهي تلامس وجهي وإن كنت أظن أنها ستتذكرني فتحنو عليّ وترفق بي ولكنها لم تكن بهذا الرفق الذي تخيلته وكنت بالنسبة لها مَثَلي كمَثَل القمامة التي اعتادت أن تُلقى فوقها .
مرت دقائق ورأيت الشرطة تبتعد وجاء بعدها أشخاص حملوا جسد الفتاة وابتعدوا وهم يصرخون ، حاولت أن أناديهم ليلتفتوا لي فلم أقدر على تحريك لساني ، بقيتُ في هذا الوضع لدقائق أخرى لأرى أمامي شخصان يقفان على بُعد أمتار قليلة مني ينظران نحوي فما إن حاول أحدهما الاقتراب مني ليرى ما بي حتى قبض الآخر على ذراعه وقال له :

" رايح فين يا عم إحنا مالنا ؟ خلينا فحالنا .. خلينا ماشيين جنب الحيط بلاش مصايب .. " 

محمد العليمي
26 يناير 2015